ابن أبي الحديد

16

شرح نهج البلاغة

بذل لهم ما أرادوه ، وأعتبهم ( 1 ) وأشهد على نفسه بذلك ، وإن الكتاب الموجود بعد ذلك المتضمن لقتل القوم ، ووقف عليه - وممن أوقفه عليه أمير المؤمنين عليه السلام ( 2 ) - فحلف أنه ما كتبه ، ولا أمر به ، فقال له : فمن تتهم ؟ قال : ما أتهم أحدا ، وإن للناس لحيلا . والرواية ظاهرة أيضا بقوله : إن كنت أخطأت أو تعمدت فإني تائب ومستغفر ، فكيف يجوز والحال هذه أن تهتك فيه حرمة الاسلام وحرمة البلد الحرام ! ولا شبهة في أن القتل على وجه الغيلة لا يحل فيمن يستحق القتل ، فكيف فيمن لا يستحقه ! ولولا أنه كان يمنع من محاربة القوم ظنا منه أن ذلك يؤدى إلى القتل الذريع لكثر أنصاره . وقد جاء في الرواية أن الأنصار بدأت معونته ونصرته ، وأن أمير المؤمنين عليه السلام قد بعث إليه ابنه الحسن عليه السلام ، فقال له : قل لأبيك فلتأتني ، فأراد أمير المؤمنين عليه السلام المصير إليه ، فمنعه من ذلك محمد ابنه ، واستعان بالنساء عليه ، حتى جاء الصريخ ( 3 ) بقتل عثمان ، فمد يده إلى القبلة ، وقال : اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان . فإن قالوا : إنهم اعتقدوا أنه من المفسدين في الأرض ، وأنه داخل تحت آية المحاربين . قيل : فقد كان يجب أن يتولى الامام هذا الفعل ، لان ذلك يجرى مجرى الحد ، وكيف يدعى ذلك ، والمشهور عنه أنه كان يمنع من مقاتلتهم ، حتى روى أنه قال لعبيده ومواليه ، وقد هموا بالقتال : من أغمد سيفه فهو حر ! ولقد كان مؤثرا لنكير ذلك الامر بما لا يؤدى إلى إراقة الدماء والفتنة ، ولذلك لم يستعن بأصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وإن كان لما اشتد الامر ، أعانه من أعان ، لان عند ذلك تجب النصرة والمعونة ، فحيث

--> ( 1 ) أعتبهم : أرضاهم . ( 2 ) عبارة الشافي : ( وذكر أن أمير المؤمنين عليه السلام واقفه على الكتاب ) . ( 3 ) الصريخ : المستغيث .